من اعمال الفنان التشكيلي زهير حسيب 2009الفنان زهير حسيب من التشكيليين الذي يملكون بصمة واضحة في الفن التشكيلي السوري، زرع فيه بذرة الرسم أخوه الفنان الراحل عمر حسيب، ليروي هذه البذرة ويغذيها الراحل الكبير فاتح المدرس، الذي أشرف على زهير خلال دراسته في كلية الفنون الجملية بدمشق، (القنديل) التقت زهير وكان لها معه هذا الحوار...


الصورة هي الأبجدية الأولى

لكل إنسان طريقته الخاصة بالتعبير، فالكاتب يعبر عن نفسه بالكلمة والموسيقي باللحن، وأنت اخترت التعبير باللون، فلماذا كان هذا الاختيار؟ وما هي الرسالة التي توجهها عبر ألوانك؟
أعتمد على التعبير عن ذاتي ومكنوناتي من خلال اللون والصورة، فالصورة هي الأبجدية الأولى في العالم بشكل عام وسورية بشكل خاص، ورغم عمق الكلمة تبقى الصورة هي الأعمق، لأنها تعتمد على التعبير من خلال الرموز والأدوات بالإضافة للعنصر الأهم وهو اللون، فمثلاً اللوحة التجريدية هي لغة بصرية موسيقية، تعتمد على خط بياني مكون من الألوان الباردة والحارة والحيادية والمركبة، ويجب أن يكون فيها النغم على شكل هارموني لوني أو تضاد لوني، مبتعدةً عن الخط الأفقي المستقيم الذي يكرس الرتابة والملل كما هو الحال بالنسبة للموسيقا.
وعندما أنهي إحدى لوحاتي أشعر بالارتواء وتتملكني النشوة لشهور عديدة، فصنع الجمال يملك رونقاً متفرداً، الجمال في التصوير هو السلاح الأقوى والأمضى، وثبت ذلك عبر التاريخ، حيث تعرفنا على الإرث الإنساني والحضارات القديمة من خلال منحوتات أو رسوم أو فسيفساء عبر قراءتنا ومشاهدتنا لهذه الكنوز الدفينة، والجمال يملك رسالة انسانية بشرية، فالرسام بيكاسو قدم لوحة (يوريكا) والتي كانت بمثابة إدانة وصرخة لكل المظالم في الكون، ورسالة الفنان يجب أن تنطلق من جغرافيته، فالإنسان كائن جغرافي يأخذ وينبش من أرضه.
ساعات الرسم هي ساعات فراغ


وجهت عدة اتهامات للفنانين التشكيليين بأنهم يستخدمون رموزاً ودلالات غير مفهومة وصعبة التفكيك، فهل توافق على هذه الاتهامات؟ وما سببها برأيك؟
لا أتفق مع هذه الاتهامات فالرموز والدلالات والصور والمعطيات والألوان التي يستخدمها الفنان لا تأتي من العبث، فهو يستنبطها من مكنوناته وإرثه وعقله الباطن وثقافته ومن التراكم الحياتي الخاص به، وعندما يضعها في لوحاته يصطدم بجهل بصري شعبي وثقافة بصرية قاصرة، وذلك نتيجة إرث متأصل في المجتمع السوري فعبر التاريخ تعتبر ساعات الرسم أو الموسيقا في المدارس ساعات فراغ أو تسلية، فالاهتمام بالفنون الجميلة محصور على نطاق ضيق، مما عكس ذلك على المجتمع الذي أضحى من الصعب عليه تذوق جمال اللوحة التشكيلية وتفكيك رموزها، إلا في بعض الحالات القليلة، ومع ذلك عند دخول الإنسان لمعرض ما تشده لوحة رغم جهله لها لعدم تعامله مع اللون ولكن حسياً وبصرياً يكون تأثير اللوحة واضحاً لأنه بطبيعة الحال وقف أمامها، ففي أعماق كل إنسان يوجد فنان (أديب أو موسيقي أو تشكيلي) ولكنه بحاجة لأن يملك الأدوات والخبرة والتجربة ليستطيع القراءة بشكل أشمل، وهذا للأسف ما نفتقده حالياً.
التشكيل فن نخبوي


هل توافق على أن الفن التشكيلي فعل نخبوي؟
منذ تشكل الوعي التشكيلي قبل عصر النهضة حتى الآن كانت اللوحة التشكيلية نخبوية، فالكنيسة كانت تتبنى الفنانين كبيكاسو ومايكل انجلو وتسيان وغيرهم، وعند انفصال الدولة عن الدين في أوروبا تلقفتهم البرجوازية بصالاتها وغالورياتها، مما كرس مفهوم النخبة التشكيلية، وإضافة إلى أن مقتني اللوحة التشكيلية جلهم من الطبقة البرجوازية (وذلك لحالتهم المالية)، بينما الإنسان العادي يمكن أن يحب اللوحة ويستسيغها ويرتاح لها ولكنه لا يملك القدرة الشرائية اللازمة لاقتنائها.


وكيف تقيّم النقاد الحاليين المختصين بالتشكيل؟
فيما يخص النقاد التشكيليين، فهناك مجموعة منهم يصنفون نفسهم على أنهم نقاد ولكنهم في الحقيقة لا يمتلكون مسلمات اللون، ويعتمدون على تحميل اللوحة أكثر من طاقتها باستخدام مصطلحات طنانة ورنانة ولكنها في الحقيقة جوفاء، كما يعتمد على التلاعب اللفظي مما يسبب في ضياع القارئ، ويكرس المفهوم النخبوي للتشكيل.
التشكيل السوري في الذروة... والدخلاء كثر


الفن التشكيلي السوري... أين يقع حالياً برأيك على الساحة العربية؟ وما هي المشاكل التي تعيقه؟
الفن التشكيلي السوري حالياً في الذروة، وذلك ليس فقط عبر الفنانين الكبار، ولكن أيضاً عبر الفنانين الشباب الذين أثبتوا تطورهم، فاللوحة السورية تملك صدى كبيراً في الوطن العربي، ومقتنو هذه اللوحة يتنوعون من كل الأقطار العربية، وهذا نتيجة الحب الذي يعمل به الفنان السوري بلوحاته، فالحراك التشكيلي الحالي حراك ثقافي إيجابي، الإرث التشكيلي السوري بدأ عبر فاتح المدرس ولؤي كيالي ونصير شورى ونذير نبعة الذين وضعوا حجر الأساس الذي مهّد لتميز اللوحة السورية.
وبالمقابل ما يعكر صفو هذا التميز بعض الدخلاء على التشكيل باسم الحداثة والذين يدعون أنهم فنانون، فبمجرد امتلاكه (مكنسة وسطل دهان) يرسم لوحات تجريدية باسم الحداثة دون أن يكون لديه رصيد أكاديمي والذي هو أساس التشكيل، ولكنهم مع ذلك عبارة عن فقاعات ستختفي لأن جذورها مائية وغير ثابتة.


كيف تجد الدعم الحكومي للفن التشكيلي في سورية؟ وما تقييمك لأداء الأمانة العامة لاحتفالية دمشق في عام 2008 من الجانب التشكيلي؟
الدعم الحكومي للفن التشكيلي قليل جداً، الصلات الخاصة هي التي تدعم الفنانين التشكيليين، بينما يقتصر الدعم الحكومي على قطاعات صغيرة، فاسم مثل فاتح المدرس لن تجد له كتاباً يحوي لوحاته أصدرته الدولة، فمثلاً في السنة الماضية (سنة دمشق عاصمة الثقافة العربية) اعتمدت المحسوبيات والعلاقات الشخصية أساساً في انتقاء المشاركين في تظاهرة إحياء الذاكرة التشكيلية فأصدرت الأمانة أربعة كتب (مجلدات) تم فيها تهميش الكثير من الأسماء المهمة الذين يملكون تجربة كبيرة تتعدى ربع القرن وذلك لحساب آخرين لا يملكون من التجربة سوى القليل وبعضهم حديثو التخرج، مما أثّر على مصداقية التظاهرة كما أساء للقائمين عليها كأشخاص.


ماذا قال الأستاذ لتلميذه؟!
في رسالة كتبها فاتح المدرس تعبر عن الأثر الذي تركه زهير في قلب أستاذه: عزيزي زهير: مع كل محبتي لك وتقديري، قبولك هبة الأرض التي وضعتك وجهاً لوجه مع الشمس، وجمال العدالة، التي نؤمن بها ونكافح لأجلها، أعمالك يا زهير فيها الكثير من الصفاء، وتزهر الأرض والنفس في مسيرتك.
صديقك فاتح المدرس (دمشق 1995).

المصدر: القنديل - غيث حمّور
الأحد 2009-03-29



أغلق

Powered by Scontent