من اعمال الفنان التشكيلي زهير حسيب 2010 يغمض عيون شخوصه، وينيمها بوضعيةٍ جنينية، ليحرسها هلال يتكرر فوق الأحلام العميقة التي تبدو شخوص الفنان زهير حسيب وكأنها غارقةٌ بها في لوحات معرضه المقام حالياً في صالة السيد للفنون التشكيلية.

يعتمد حسيب في لوحاته على حضور المرأة مرتحلاً معها بين التجريد والواقع، ويرى أن الإنسان لديه يؤمن بجملة بسيطة أو معقدة، والفنان على وجه الخصوص يعمل على استمرارية هذه الجملة وتطويرها لذا يقول: «أبحث عن التقنية في الألوان والمعادلات اللونية الجديدة التي ترفع الجملة الموجودة في داخلي من خلال الشكل، وأطورها تماماً كما تطور الشجرة نفسها مع اختلاف الفصول الأربعة، وبهذا أستطيع اكتشاف رموز جديدة».

حاكي لوحة من لوحات حسيب الأيقونات بشكلها وتقنية إنجازها، لكنه يؤكد أنها ليست أيقونة رغم تأثرها بهذا الفن: «المدارس الفنية مرتبطة مع بعضها تماماً كالسلاسل، وأنا أحاول أن أترك العنان لنهري الداخلي الذي لا أعرف كيف يفيض في اللوحة، ربما هناك شبه بين لوحتي التي أشرتَ إليها والأيقونة خاصة من خلال استخدام اللون الذهبي فيها، لكن لو عدتُ إلى ذاكرتي وسألتُ من أين يأتي هذا الذهبي والأصفر؟ لوجدت نفسي متأكداً من أنه لون الشرق الحقيقي بشمسه الساطعة وسنابل قمحه التي حصدتها في طفولتي فسحرني منظرها أثناء العمل».

الهلال والسمكة عناصر تتكرر في أعمال المعرض كما أن الوضع الجنيني يسيطر على كثير من الشخوص داخل إطار اللوحة ويرد حسيب هذا إلى «حالة السلام الداخلي التي أريد لشخوصي أن تحياها، فهي في معظم اللوحات تظهر مغمضةً عيونها ويحرسها هذا الهلال الذي يغفو معها أيضاً، وهذا يعطي شعوراً بالحبور والرحابة والسلام، لذا تقصدت أن تكون الشخوص أيضاً بوضعية تشبه وضعية الجنين في الرحم، فالعالم اليوم يفتقد إلى هذا الشكل من السلام والدفء ليحتضن به أفراده، والرحم هنا أتى ليشكل الملجأ الآمن الذي تهرب الشخصيات إليه بعيداً عن تعب هذا العالم».

تغلب مسحةٌ شرقية على ما ينجزه زهير حسيب فالزخرفة والثياب الفلكلورية وشمس الشرق واصفراره هي تفاصيلٌ في التفاصيل: «أنا ابن الشرق والجزيرة السورية وما بين النهرين، هذه المنطقة الزاخرة بالحضارة، فلا أستطيع الانفصال عن هذا الموروث الموجود في داخلي من أفكار وعناصر وأساطير وشخوص وألوان تشكل عصب الحياة في الشرق الممتد والمتفاعل في ذاكرتي، لذا تدخل عناصر تراث من اللاشعور إلى اللوحة فهي تشغل جزءاً كبيراً من ذاكرتي، لأضيف عليها مسحة من الحداثة والخبرة المتراكمة خلال هذه الفترة من العمل، فتخرج اللوحة لتوحي بروح المنطقة والجغرافيا وإن كانت تتبع مدارس وأساليب حداثية».

لوحات حسيب وكلامه عن مدارس الحداثة الفنية، تدفع للتساؤل عن أساليب العمل في لوحاته التي يمتزج فيها أحياناً التجريد الخالص مع الواقعية الخالصة ضمن نفس الإطار: «نعم في اللوحة تجريدية وتعبيرية وواقعية كل هذه الأساليب موجودة، لكن أنا لا أعرف كيف أصل إليها، أستطيع القول أن هذه هي لوحتي، التي أجزم أني لا أرسمها وحدي إنما أرسمها بمساعدة شخص آخر هو زهير الطفل الذي يعيش في داخلي، ويستحضر ذاكرته وطفولته وألوانه ومفرداته وعناصره ورموزه، ليوحي بها إلى زهير الفنان الأكاديمي وهنا أقول المدرك، لأن ذاك الطفل قادم من اللاوعي، ويقوم هذا المدرك في النهاية بصياغة العمل الفني وربط معطياته ليخرج في اللوحة معتمداً على ما لديه من مخزون عاطفي - ربما يكون فوضوياً - وقدرة فنية وعقلية على ضبط هذه الفوضى وصياغتها ضمن عمل فني منتظم».

يرفض حسيب الكشف عن «سر العمل» الذي أوصله إلى صياغة حس غرافيكي قوي في لوحاته لكنه يقول حول هذا الموضوع: «هذا الحس الغرافيكي الظاهر في اللوحات هو نتيجة عملي على أقمشة من نوعية معينة عالجتها بعدة طبقات من الألوان»، يضحك حسيب ويتابع: «وهنا أتوقف عن الكلام كي لا أكشف المعادلة التي وصلت إليها ويخرج السر للعلن».

لكن على ما يبدو فإن حسيب يهوى المعادلات في الفن، فالكولاج كتقنية عمل حاضر في كل اللوحات وهنا يضيف: «الكولاج هو معادلة أسعى للعمل فيها منذ أربع سنوات حتى تبلورت بهذا الشكل، وهي جزء من بحثي عن الجديد كي أقدمه، وأرى أن مثل هذه التقنية يجب أن تصب في خدمة العمل الفني لترفع من مستواه وإن لم تكن كذلك فهي ستكون عبثية من دون معنى وستدفع العمل إلى السقوط، فاللغة البصرية هي الأساس الأول في إنجاز العمل، وهي الحافز الأساسي للمتلقي، لأن العين تتآلف مع تكوينات ورموز وألوان تجذبها من الناحية التشكيلية وهذه اللغة البصرية هي التي تعبر عن المضمون الذي يطلبه الفنان ليقدم من خلاله أفكاره، فهناك علاقة جدلية واضحة بين الشكل والمضمون، فالشكل الجيد أو اللغة البصرية الراقية تستطيع أن تشفَّ عن المضمون النوعي الذي يقف خلفها ويقدمها إلى المتلقي».

المصدر:اكتشف سورية - عمر الأسعد
07/كانون الثاني/2010



أغلق

Powered by Scontent