• طباعة

من اعمال الفنان التشكيلي زهير حسيب 2010حضرت المرأة بكل وقارها وجمالها وحضورها، وأطلت "بكامل مشمشها"، وفق تعبير الشاعر الراحل محمود درويش، في معرض الفنان التشكيلي الكوردي السوري زهير حسيب الذي افتتح، مؤخرا، في صالة السيد بدمشق، ويستمر حتى نهاية هذا الشهر الجاري.

خمس عشرة لوحة باحجام مختلفة، كبيرة غالبا، ومنفذة بعدة تقنيات (التصوير الزيتي، الكولاج، الغرافيك...)تتجاور على سطح اللوحة، لتشكل قوام معرض الفنان زهير حسيب الذي بقي أمينا لمناخات وأجواء عالمه التشكيلي الذي تتكون مفرداته وعناصره من بيئة الطفولة الأولى في الجزيرة السورية،

إذ أن مسافات الغياب الطويلة لم تبهت الألوان، ولم تتمكن من إدخال الوهن الى حركة ريشة لماحة؛ ذكية  لا تتردد في الاستعانة بمواد مختلفة كالرمل، والطين، ومزق النسيج،  والقصب اللامع المزركش، والخرز الملون...

إن هذا الحنين الأبدي الى مرابع الطفولة والصبا، لم يبعد الفنان عن الاهتمام بلوحته، وتطوير عناصرها التشكيلية، والاعتناء بمعالجات لونية تبدو للوهلة الأولى متكررة، لكن التدقيق في أشكالها ورموزها وخطوطها يكشف عن الجهد الذي يبذله حسيب في سبيل تقديم لوحة غنية بالمعاني، حافلة بألوان تثير الدهشة والاعجاب. وفي حين لم يترك حسيب شيئا من بيئته الأولى إلا وخلده في هذه اللوحة أو تلك، فإنه وفي هذا المعرض أراد أن يحتفي بالمرأة على طريقته الخاصة عبر تكريس اللوحات لموضوعة واحدة تتمثل في توثيق صور المرأة في شتى حالاتها الإنسانية.

من جديد يثبت حسيب حرفيته العالية في استخدام تقنيات مختلفة للوصول الى الحساسية البصرية التي ينشدها، فهو يتعامل بموهبة تكاد تكون فطرية مع المادة الخام التي تتحول عبر مطبخه التشكيلي السري الى مزيج بصري يتناغم على سطوح اللوحات التي تعيد المتفرج الى بيئة الجزيرة السورية حيث نشأ زهير حسيب وترعرع.

والواقع أن حسيب لا ينفي تأثير ذلك المخرزن البصري على مجمل تجربته التشكيلية، فرغم دراسته الأكاديمية، واطلاعه على التجارب التشكيلية شرقا وغربا، واقامته الطويلة في دمشق، لم يستطع حسيب أن يفارق أمكنة الطفولة البعيدة،  بل بقي منجذباً إلى ذلك الفضاء الملوّن في الجزيرة السورية، الحافل بمفردات وعناصر وجدت طريقها إلى لوحاته: خرز ملون، سجاجيد، طيور الحجل والقطا، زهور عباد الشمس، سنابل القمح الذهبية... وأفق ممتد أمام البصر مشبع بضوء الشمس، وبرائحة البيوت الطينية المتهالكة، والمتعانقة برفق في ذلك الشمال الحزين.

ولا يختلف معرضه هذا، في خطوطه وعناوينه العريضة عن مجمل تجربته، وإن كانت المرأة هي العنوان الأبرز، فهنا أيضا نجده يلهو ضمن مساحات البراءة الاولى في الجزيرة ليستمد من فضاءات تلك البيئة لوحة لا تنتهي، بل يستخدم نتفا وخرقا من الأزياء الكوردية المزركشة في لوحات ملونة توحي بالبهجة والصفاء.

ويقر حسيب في تصريحات لـ PUKmedia  بان هذا المعرض هو امتداد لتجربته الفنية، وانه يستقي رموزه الفنية من ذاكرة الطفولة الأولى في منطقة الجزيرة السورية التي أثرت به بتفاصيلها وغناها، وهو يجتهد كي يقدمها بأسلوب فني معاصر  يتأرجح بين الفطرية والحداثة، ويشير حسيب الى ان السنوات الأولى لأي فنان تظل تفاصيلها كالوشم في الذاكرة لا يمكن أن تزول، وإذا تأملنا نتاجات المبدعين الكبار سنجد أن الطفولة كانت معينهم الأول.

حسيب يعود إلى تلك البدايات ليمنح هذه العناصر جمالية خاصة عبر لصقها على سطح لوحته، ومنحها قوة تعبيرية شديدة الثراء، فهذه العناصر التي استقرت عميقاً في ثنايا الذاكرة ظلت المنبع الرئيس للوحة سخية الأشكال، والشخوص، والخطوط حتى ليخيل للمشاهد أن اللوحة الواحدة تحوي عشرات اللوحات.

المرأة هي رمز الخصوبة في كل زمان ومكان، ولا يغفل حسيب عن هذه الحقيقة، إذ نرى في لوحاته مهرجانا لونيا هادئا يستطلع شجون الانثى وهمومها، مستفيداً من الحجوم الكبيرة بغرض التنويع في التفاصيل، ويبدو أن المرأة المفصلة وفق مقايسس الحداثة والموضة لا تستهويه بقدر ما تجذبه تلك المرأة الريفية البسيطة التي تختال في كرنفالات اللون وسط عوالم لونية ساحرة، فتبدو اللوحة، والحال كذلك، مشهدا مسرحيا متحركا يظهر المرأة الحزينة، القلقة، الهشة، المنتظرة، الخائفة، والراغبة في التحرر والانعتاق...إنهن نساء زهير حسيب اللواتي لا يظهرن كعارضات أزياء، بل كآلهات خصب ينشدن أغنية حزينة بوجوه صامتة تختزل الكون في امرأة.  

المصدر: PUKmedia ابراهيم حاج عبدي/ دمشق 06/01/2010  



أغلق

Powered by Scontent