من اعمال الفنان التشكيلي زهير حسيب 2007تمتد تجربة زهير حسيب التشكيلية على مدى ثلاثة عقود , استطاع  خلالها أن يرسّخ حضوره الإبداعي عبر عطائه المتواصل ودأبه على تطوير أدواته الفنية ,  ومناخاته اللونـية , وموضوعاته الإنسانية , التي تنشغل بتصوير مفردات البيئة المحلية , وعناصر الطبيعة , وتفاصيل الحياة اليومية مركّزا في مرحلته الواقعية على العنصر البشري عبر علاقته بمحيطه , وما يتبع ذلك من تصوير  الطقوس الاحتفالية الملحمية والأسطورية التي تزخر بها الذاكرة الجمعية.

 منتقلا بعد  ذلك إلى رحاب الانطباعية التي تتوارى فيها ضربات الفرشاة الحادة والخطوط النافرة   والألوان الحارة الصارخة , أمام شفافية اللون وهدوئه وأجوائه الحلمية التي تتجلى في   الطبيعة وفصولها المتبدلة , والطبيعة الصامتة , والنساء المنهمكات في حقول القطن  والقمح بأجسادهن النحيلة الطويلة مثل ظلال شاحبة . ثم يواصل انفتاحه على المدارس   المتعدّدة محاولا تكوين خطه الفني الخاص به , دون أن يقع في فخ التجريد المجاني أو   الواقعية الفوتوغرافية الصرفة . البدايات هناك , في الحسكة , على ضفاف الخابور الذي  كان , حيث الرعاة والبؤس والمعجزات وبيوت الطين والحضارات المتعاقبة , والحقول  وزرقة السماء وحكايات الجن , فتح زهير حسيب عينيه في العام 1960 ليرى أول ما يرى  ثوب الأم بألوانه الفلكلورية المتموجة بين الأحمر والأزرق والأصفر والأخضر , وحيطان  البيت البيضاء المزخرفة بالقش والمنمنمات الشرقية . وما إن يخطو خطوته الأولى على  سجادة البيت التي صنعتها أمه من بقايا الملابس حتى تسحره ألوانها ونقوشها ورسومهـا .  وهكذا تبدأ الحكاية , ومعها تبدأ الموهبة بالظهور والتبلور التدريجـي .‏

فالطفل الذي كان  يرى ويندهش بدأ يسمع الأغاني والمواويل الحزينة أيضا , ويحضر الأعراس والمآتم  وينفعل بها , ويخرج إلى باحة الدار , ليرقب خبز التنور وهو يتلألأ بين يدي أمه ساعة  الغروب الدامي , ويركض حافيا بين سنابل القمـح الذهبية خلف أسراب الحجل , ويسبح  عاريا في النهر بين أعواد الزل عكس التيار , ويصغي إلى ملاحم “ مم وزين “ و “  سيامنذ وخجي “ على صوت البزق , وهمس الجداول , ووقع معاول الفلاحين وهي تقلّب  التربة مع الخيوط الأولى للفجر . وما إن يرى اللوحات المائية والزيتية والاسكتشات   والكروكيات التي رسمها شقيقه عمر تملأ الحيطان وزوايا البيت حتى يمسك بالفرشاة   والألوان ويبدأ مغامرته الأولى معها . واقعية بلا ضفاف ( 1990 ـ 1995) الإنسان   والبيئة عنصران أساسيان في تشكيل اللوحة عند زهير حسيب ,‏

ولا يغيبان في  كل المراحل والتجارب التي مرّ بها , وإن اختلفت أدواته وأساليبه في التعامل معهما   وتجسيدهما بين مرحلة وأخرى . فالإنسان وبشكل خاص المرأة في تجلياتها المختلفة هي  الثيمة الأساسية التي تطغى على أعماله في المرحلـة الواقعية , وتظهر في صورة الأم  والأخت والحبيبة وحتى في صورةالمرأة / الحلم , والمرأة / الأسطورة . يعنى الفنان في  هذه المرحلة بإبراز الملامح والتفاصيل الصغيرة في الوجه وتقاطيع الجسد والثياب ,  فتبرز خصوصية البيئة عبر التركيز على خصوصية غطاء الرأس والفساتين الفضفاضة   الملوّنة التي يغلب عليها الأزرق والأبيض والبرتقالي والأحمر في درجات متفاوتة . وهذه الألوان بتدرجاتها وتجاورها هي الألوان الأساسية المختزنة في ذاكرة الفنان  أثناء طفولته . وهي لا تفارق لون السماء والغروب وضوء النهار . وبقدر ما تبدو  الثياب والمناديل والإكسسوارات زاهية وجاذبة فإن الوجوه تبدو حزينة يغلب على   ملامحها الانتظار والفقدان والانكسار , وتسهم خلفية اللوحة أو بعض الثيمات الرمزية   المصاحبة مثل الناي أو الطاووس أو الحجل في تعزيز هذا الإحساس .‏

وهنا يخلص  الفنان لحساسيته وواقعيته , في تصوير تلك الوجوه التي تعيش حزنها الخاص من خلال  عالمها الداخلي الذي ينعكس على ملامحها , فلا ينقاد وراء صنع فرح زائف يضفيه عليها , على الرغم من البهاء اللوني الذي يحيطها به . إن النزعة الواقعية هنا لا تأسر  الفنان ضمن قوالب معدّة ونهائية , لذلك يغامر في تطعيم اللوحة بعناصر وثيمات إضافية  تعمّق الإحساس بها , وتمنح المتلقي مفاتيح تساعده على تلقي مضمونها ودلالته   الواقعية والرمزية . وهذا ما نجده بشكل أساسي في الأعمال التي تقدم مجموعة من   العناصر , أو شخصيات ذات حمولة رمزية لارتباطها بأساطير المنطقة القديمة مثل “ مم  وزين “ , ولا تتوقف عند نمط البورتريه فقط الذي يكاد يستأثر بأعمال هذه المرحلة . ومن هنا يمكننا القول إن زهير حسيب لا يسلّم قياد ريشته وملوانته لمدرسة فنية  محدّدة بقدر ما يحاول تأسيس إحساسه ووعيه الخاص بتلك المدرسة موسعا ضفافها إلى أبعد  حد يستطيع أن يخدم من خلاله تجربته . بين الواقعية والانطباعية ( 1995 ـ 200 ) على  الرغم من الاهتمام الطاغي باللون على حساب الخطوط والتحديدات والتفاصيل في هذه   المرحلة . إلا أن الفنان يحافظ على حسّه الواقعي الأصيل , فلا يغادره نهائيا , حيث  تحيل بعض العناصر في اللوحة إلى مرجعها البصري الواقعي أكثر مما تحيل إلى الرؤية   الانطباعية , وذلك لا ينتقص من قيمة العمل الفني بقدر ما يعزّز استنتاجنا السابق من  أن الفنان يحاول في كل مرحلة أن يترك بصمته الخاصة , بعيدا عن المحاكاة الميكانيكية  لأي مذهب أو اتجاه فني . يبرز في هذه المرحلة الاهتمام بالطبيعة في المقام الأول  حيث يتوارى العنصر البشري أو يحضر حضورا خجولا في بعض اللوحات , على عكس المرحلة   السابقة التي كان فيها العنصر البشري هو الأساس , والطبيعة خلفية مشهدية أو مكملة  له . ونستطيع أن نلمس الإنجاز المهم في هذه المرحلة الانطباعية عبر عدد من الأعمال  التي شكّلت فيها الطبيعة والطبيعة الصامتة أبرز مضامينها وعناصرها التكوينية . حيث  وظف حسيب في الطبيعة الصامتة جملة من العناصر المتنافرة في تناغم لوني وتكويني مبهر , جمع فيه بين زهرة عباد الشمس والفاكهة والفازات والسلال في مشهد واحد . كما أعطى   اهتماما أكبر لعناصر الطبيعة الحية وألوانها وتجليّاتها الانطباعية فبدت أقرب إلى  الحلم الضبابي الذي يرى عبر غلالة شفافة . ويندر أن يخلو أي عمل انطباعي عند حسيب  من مكونات الطبيعة والبيئة التي عاش فيها طفولته , فنجد النهر عنصرا أساسيا , تتبعه  الحقول والسهول والتلال والأشجار والبيوت الطينية ثم العنصر البشري في حدود ضيقة .  وبذلك يعيد الفنان إنتاج مخزونه البصري نفسه في اتجاهات فنية متنوعة. تأثيرات شرقية ( 2000  ـ 2007 ) يتراجع الاهتمام في هذه المرحلة بالألوان التي كانت تحضر في   المراحل السابقة مثل الأزرق والأبيض والبرتقالي والأحمر , ويتسيّد اللوحة اللون   الترابي وحده بتدرجات نسبية بين عمل وآخر , مما يوحي للوهلة الأولى بشح العنصر  اللوني وبهوته . لكن التدقيق وإعادة النظر في أكثر من لوحة يصحّح مسار هذا   الاستقبال ويكشف عن تناغم من طراز رفيع بين الشكل والمضمون . فالتجربة التي يقدمها  حسيب تلتقي مع عدد من التجارب التي تحاكي فنون الشرق القديم عبر التركيز على الرقم   المسمارية والأختام   والرموز الأسطورية والميثولوجية والأيقونات الدينية , وإبراز  تفاصيل الوجه بما يكشف عن فطريته ودهشته التي نلمسها في اتساع العيون , وبروز الأنف , وصغر الفم , وتحديد الشفتين . لكن ما يحسب له في هذا المجال اشتغاله على اللون   الترابي وحده , هذا اللون الذي يرتبط عضويا بألوان الرقم والأختام وسواها من اللقى   الأثرية من ناحية , ويوحي بتلك الأجواء القديمة التي تجد فيها هذه الأعمال مرجعيتها   التاريخية من ناحية ثانية , مما يحقق التناغم والانسجام بين الشكل والمضمون . كما  يعنى الفنان في الأعمال المنجزة ضمن هذا الاتجاه بخلفيات اللوحة التي تنصب غالبا  على الأطر التزيينية الفلكلورية والمنمنمات والمطرّزات الشرقية التي تمنحها هويتها   وفرادتها الفنية والحضارية . دون أن يغفل الثيمة المركزية في كل أعماله وهي الأنثى  في تجلياتها ما بين التأمل والخوف والانتظار والخجل والرغبة في الانعتاق والتحرّر .  وتحفل هذه الأعمال بثيمات رمزية وأشكال مختلفة للتعاويذ التي ترد العين والحسد , وترتبط بنمط من الاعتقادات الشعبية في العصور القديمة , والتي ما زالت تفعل فعلها  حتى اليوم . كما يستمر توظيف الفنان لعدد من الرموز التي لم تفارق أعماله في   مراحلها المتعدّدة مثل الطاووس , والحجل , والبزق , وزهرة عباّد الشمس . وهي تشير  إلى فاعليتها الدلالية والتعبيرية من ناحية , ووظيفتها التزيينية من ناحية ثانية . إن تجربة الفنان زهير حسيب ما زالت تلتمس مرجعياتها من مخزون ذاكرته على مستوى   المضامين والموضوعات , وتحاكي تجارب سابقة على مستوى أدواتها ومناخاتها التشكيلية , دون أن تقع في أسرها , محاولة بذلك تحقيق إنجازها الخاص الذي لن يطول انتظاره .‏

المصدر: الثورة             
1/5/2007



أغلق

Powered by Scontent